الاثنين، نوفمبر 02، 2026

آخرهم ترمب.. لماذا صارت الكارثة الكبيرة عملا هينا وسهلا؟

 

محمد إلهامي

أصبحنا ذات يوم على استهزاء جديد من ترمب، ظل يشير إلى اسم مرشح الحزب الديمقراطي "عبد الرحمن السيد" باسم: محمد، ويكرر الاسم بنغمة ممطوطة ومُمَدَّدة في لهجة سخرية واضحة! وفيما بعد، خرج في خطاب آخر ساخرا ومستهينا من خطئه في اسم المرشح، باعتبار أنه من الشرق الأوسط، وهذا الاسم منتشر هناك بكثرة.

والحق أن هذه السخرية المتقنعة من اسم نبينا الأكرم ﷺ ليست الأولى، وفيما يبدو فإنها لن تكون الأخيرة.

ولا تزال الذاكرة تستدعي من قريب إساءات أخرى في دول أوروبية، ولعل أبرزها ما تبنته الدولة الفرنسية ووزير داخليتها في مطلع هذا العقد من الرسوم المسيئة للنبي ﷺ حتى جرى تعليقها بأحجام عملاقة على مباني حكومية رئيسية في تحدٍ وقح واستهزاءٍ فج بأمة المسلمين كلها، وأولهم: المسلمون في فرنسا أنفسهم.

والجدير بالإشارة هنا أن هناك حوادث صريحة في السخرية من نبينا ﷺ وسبِّه، ولكن يتواطؤ الأغلب من الناس على تجاهلها، وهي سخرية المغتصبين المستوطنين الذين صار اقتحام المسجد الأقصى نشاطا متكررا لهم، ولطالما هتفوا ساخرين ومستهزئين في مواجهة الكاميرا "محمد مات.. خلَّف بنات".

وأجدر بالإشارة من كل هذا أن نبينا ﷺ يساء إليه فعلا في الدول العربية والإسلامية نفسها، لكن بأساليب أقل فجاجة وصراحة على ألسنة الإعلاميين والعلمانيين، كالإساءة إلى سنته وهديه وأحاديثه، والطعن في صحابته ورواة الحديث وجامعيه ومصنفي الكتب فيه، والغرض من ذلك: هدم السنة نفسها حتى لا يبقى للنبي إرث محترم ولا تعاليم موقَّرة.

ولا يبعد أن تجد إساءات للنبي نفسه، صريحة وقحة، حتى في الدول التي ينتسب ملكها إلى النبي ﷺ ويحكم باسم الشرفاء الهاشميين، مثلما فعل قريبا محمد الفايد في المغرب، وما مسَّه أحدٌ بسوء!

ومثلما تكرر قبل ذلك في الأردن، بل إنني أكتب هذه السطور الآن في خضم حملة عاتية يقوم بها العلمانيون والنصارى وعلماء السوء في الأردن على المسلمين الذين لا يترحمون على قتلى النصارى في كنيسة الكرك، وقد علموا جميعا أن النبي ﷺ قد قال: "والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار" (رواه مسلم).

ومن تأمل في هذا الموقف رأى بالبديهة أن محاولة دفع المسلمين للترحم على النصارى هي أشد الإساءة إلى النبي ﷺ، فهي إبطال لدعوته ورسالته بالكلية، فما معنى أن يبعث نبي ويجاهد حياته كلها في سبيل هذا الدين، ثم يعلم أصحابه ويُحَمِّلهم أمانة الحفاظ على هذا الدين ونشره، ثم يجتهد كل مؤمن بالنبي حقا في خدمته وتبليغه والعمل في سبيله.. ما معنى هذا كله إن كان الذي يؤمن بالنبي كمن لم يؤمن به، كلاهما يدخل الجنة، وكلاهما تجوز عليه الرحمة؟!

هل كان النبي ﷺ عابثا يتلهى؟.. حاشاه حاشاه ﷺ!

أم كان ربنا الذي أرسله قد اتخذه واتخذ البشر كلهم لهوا؛ فهو يرسل رسولا ويكلف تكاليف ويخبر مرارا بما يترتب على ذلك من الثواب أو العقاب.. ثم يكون من آمن بالرسول كمن كفر به؟!.. حاشاه حاشاه، جل في علاه!!

وما هي الرسالة التي سيفهمها المسلمون والنصارى معًا، ومعهم غيرهم من اليهود والملاحدة وأصحاب الديانات الأرضية، إذا علموا أن المسلمين يترحمون على سائر من مات، ويرجون له الرحمة والجنة.. أي شئ إذن يدعوهم إلى الإسلام ليدخلوا فيه؟ بل ماذا يدعوهم إلى احترام الإسلام أصلا، إن كان أهل الدين أنفسهم لا يحترمونه ويرونه أمرا تافها وهامشيا ولن يؤثر في مصير الإنسان لا في الدنيا ولا في الآخرة؟!

على كل حال، أريد أن أطمئن جميع العلمانيين والإعلاميين ومن نحا نحوهم: لن تبلغوا مرادكم هذا؟ ولن يكون الترحم على غير المسلمين جائزا لا اليوم ولا غدا، مثلما كان كذلك دائما فيما مضى. ولن يجرؤ على تجويز الرحمة على غير المسلم إلا واحدٌ من هذه الأصناف الثلاثة:

1.    شيخ سوء مفضوح يشتري دنياه بدينه، ويرقع من دينه ليغطي عورة السياسة في بلده، وهذا لا يسمع الناس له ولا يأخذون دينهم عنه، فيكفي في هدمه أنه من علماء السلطة وعملاء الشرطة!

2.    شيخٌ يزلّ في هذه المسألة، فما من إنسان معصوم، فسيبقى قوله هذا شاذًّا منفردًا لا يؤخذ به، ولن يغير في الموقف الإسلامي العام شيئا!

3.    جاهلٌ بالدين لم يرفعه العلم، فلن يرفعه الإعلام! فمهما تسلطت عليه الأضواء فلن تلبث أن تنحسر عنه، ليعود صفرا مجهولا من جديد.

إن مزية الإسلام الخالدة هي ذاتها عقدتكم الخالدة معه، أنه دينٌ غير مُحْتَكَرٍ بيد فئة ولا سلطة ولا مؤسسة كهنوتية، لا أحد يملك أن يحل الحرام أو يحرم الحلال، والأمة بمجموعها وعلماؤها بمجموعهم هم حراس هذا الدين والمحافظون على هذه الشريعة!

وانظروا كم مرة أثيرت فيها هذه القضية، ثم انظروا: هل حققتم فيها تقدما؟!

بل إن من أطرف الطرائف في قصة فشلكم وإخفاقكم أنكم في كل مرة مثل هذه تصيحون وتصرخون بالمناداة على شيخ الأزهر أو المفتي أو وزير الأوقاف أو غيرها من رؤساء المؤسسات الرسمية ليتدخلوا بالإفتاء في هذه القضية.. تريدون الآن أن تحكروا الفتوى في مؤسسة، وتريدون الآن أن تحددوا الناطق الوحيد باسم الله!! مع أن سائر تجارتكم بالعلمانية كانت تحت شعار مكافحة احتكار الدين وتنقيص رجال الدين ومحاربة من تحسبونهم متحدثين باسم الدين!!.. وكفاكم بهذا فشلا وإخفاقا!!

على أنه يجب علينا، ونحن في ظل هذه الأيام البائسة أن نقرر أمرًا مهما في هذا الباب..

والسؤال الحارق هنا: لماذا صارت الإساءة إلى نبينا ﷺ عملا متكررا لدى أعداء الإسلام حتى من الرؤساء والزعماء؟ ثم لماذا صارت عملا هينا مباحا في بلادنا العربية والمسلمة؟!

وقبل الإجابة عن هذا السؤال يجب أن أُذَكِّر بأن المواقف المشهورة التي يتناولها الإعلام لا تستوعب كل ما في بلادنا من الإساءات، ذلك أن المختلط بالحالة الثقافية الفكرية النخبوية لا يكاد يمر عليه كثير زمن إلا ويجد في الكتب والمجلات إساءات أخرى لكنها لا تلمس الناس فلا يعرفونها، فلم ينتفض أحدٌ لما صدرت الترجمة العربية لكتاب مايكل كوك "محمد نبي الإسلام" للعلماني السوري نبيل فياض (بيروت، 2017م) والذي قدَّم له بمقدمة حقود عن الإسلام ونبيه ﷺ، ولا شعر أحد بمقال سمير درويش –رئيس تحرير مجلة ميريت- في كتاب ميريت (القاهرة، أكتوبر 2023م) الذي يشكك فيه في سلامة النص القرآني ويقول بأن ما بين أيدينا ليس هو القرآن الذي نزل على محمد ﷺ! وكم من كوارث تعج بها الساحة الثقافية النخبوية لا تلامس أسماع الناس ولا أبصارهم!

ثم نعود إلى السؤال الحارق: لماذا صارت الإساءة إلى نبينا ﷺ عملا متكررا لدى أعداء الإسلام حتى من الرؤساء والزعماء؟ ثم لماذا صارت عملا هينا مباحا في بلادنا العربية والمسلمة؟!

لا ريب أن للأمر جذورا بعيدة تعود إلى عصر الاحتلال الأجنبي في بلادنا، فتلك هي حقبة التأسيس للاستهانة بالنبي ﷺ وبالدين كله، وفيها كان التصعيد المالي والاجتماعي للمتغربين والعلمانيين إلى مواقع الثقافة والتعليم والإعلام!

غير أن هذه السنوات الأخيرة حملت من الأحداث ما هو لافت ومؤثر وأساسي في إباحة الاستهانة بالنبي ﷺ، ومن أهم هذه المحطات:

1.    حادثة شارلي ايبدو، الصحيفة الفرنسية التي تعمدت وكررت نشر الرسوم المسيئة للنبي ﷺ في أكثر من مرة، وهو ما ترتب عليه أن قام شابان فرنسيان مسلمان بالهجوم على مقر الصحيفة، في الحادثة المشهورة (يناير 2015م). المثير هنا أن الدول العربية والإسلامية بدل أن تتخذ موقفا يحذر من استفزاز مشاعر المسلمين وأن نشر السخرية والإساءات لنبي المسلمين ﷺ يؤدي إلى عواقب وخيمة، وقفت كثير من هذه الدول موقف الإدانة من هذا الحادث، لا بل شارك زعماؤهم في مسيرة تضامن مع الصحيفة، التي كررت في ذات الأسبوع نشر رسوم مسيئة أخرى للنبي ﷺ. وتصدر هذه المسيرة ملك الأردن وزوجته، ورئيس السلطة الفلسطينية، ورؤساء مالي والنيجر والسنغال وكوسوفا، ورؤساء الحكومة في تونس وتركيا وألبانيا وتشاد، ووزراء خارجية مصر والجزائر والإمارات والبحرين وقطر والمغرب والبوسنة!

2.    جائحة كورونا (فبراير 2020م) وما تلاها من تدابير حكومية تفرض التباعد وتلغي الاجتماعات وتقرر الحظر. ما يهمنا في هذا الحدث أن هذه الجائحة أثبتت قدرة السلطة في الدولة الحديثة على التحكم في الشعائر الدينية وتغييرها، فقد استطاعت الحكومات حظر شعائر إسلامية أصيلة لم تُحْظَر منذ جاء الإسلام، مثل: صلاة الجمعة وصلوات العيديْن وصلاة التراويح والحج، وسائر ما يلتحق بذلك من مظاهر أخرى. وهو ما يعني: قدرة الدولة الحديثة على التحكم في آخر معاقل الأمة، لا بالإجبار والقهر وحده كما كان في أزمنة الاحتلال والتغريب والحكومات الشمولية الحاكمة بالحديد والنار، بل هذه المرة في ظل فتاوى مؤسسات رسمية وشعبية بجواز ما أقدمت عليه السلطة، دون أن تطمئن هذه المؤسسات العلمية للحد الأدنى المتحقق من وجود الضرورة، ولا الحد الأدنى المتحقق من نفع هذه الإجراءات في الحد من انتشار الوباء. لا سيما وقد شهدت أكثر هذه الدول استمرارا طبيعيا في تصوير المسلسلات وإقامة الحفلات ومباريات الكرة وغيرها من مظاهر الاحتشاد الجماهيري.

3.    الإساءات الفرنسية للنبي ﷺ في عام 2020م، وذلك حين أقدم الرئيس الفرنسي ووزير داخليته على تبني الرسوم المسيئة للنبي ﷺ، ودافعوا عن نشرها باعتبارها من حرية التعبير. فها هنا كانت لحظة واضحة للتمييز بين موقفين، فبالرغم من الهبة الشعبية الكبيرة لمقاطعة المنتجات الفرنسية والحملات الإلكترونية الواسعة، إلا أن المواقف الحكومية الرسمية تعاملت مع هذا الأمر ببرود شديد، بل وذهبت بعض الدول في الاتجاه المعاكس للشعوب فوقعت اتفاقيات وصفقات تسليح جديدة مع فرنسا، وصمتت المؤسسات الرسمية عن هذه الإساءات تماما وتماهت مع المواقف الرسمية للحكومات. هذا الافتراق الكبير والواضح كانت له ثمرتان خطيرتان؛ الأولى: لم تعد الحكومات والأنظمة تداري ولا تناور في مسألة التعامل مع إهانة النبي ﷺ بل صارت لا تبالي بذلك في أحسن الأحوال أو تسعى في التعاون وتمتين العلاقات مع من يتبنى هذه الإساءة. والثانية: أن المواقف الشعبية رغم اتساعها الكبير إلا أنها لم تستطع أن تخرج عن هيمنة الحكومات وقيودها الحديدية، فوقعت المظاهرات حيث سمحت الحكومات بذلك، فإن لم تسمح الحكومات ولو بالتغريد فقد عجز أبناء هذه البلد حتى عن كتابة تغريدة. لقد كانت تلك لحظة كاشفة ومهمة في بيان ما تستطيعه الشعوب وما تستطيعه الأنظمة، وكيف أن هذه الأخيرة قد أحكمت سيطرتها على الشعوب!

4.    وأخيرا: حرب غزة، وقد انكشف فيها بوضوح تام أن الشعوب قد صارت سجينة، وأن غضبها المتفجر على مشاهد القتل والقصف والتجويع والتهديم لم يستطع أن يغادر زنازين الحكومات القائمة. لقد استطاعت الحكومات العربية والإسلامية منع أية فاعلية شعبية يمكن أن تساهم في تغيير الوضع. بل حتى المجهود الإعلامي والشعبي لم يكن متاحا إلا في دول محدودة عربية ومسلمة، بينما أُحْكِمَت القبضة تماما في بقية البلدان، ومن حاول أن يفعل شيئا فقد صار نزيلا في سجونها.

هذه الأحداث الأربعة الفارقة يقرأها السياسي الغربي بوضوح، بل يقرؤها المستوطن الصهيوني الذي يقتحم الأقصى بسهولة، وهو ما يجعله متجرئا تماما على توجيه الإهانات إلى نبي المسلمين ﷺ، وهو آمن مطمئن، فالشعوب لم تعد تستطيع أن تفعل شيئا سوى الصراخ على مواقع الانترنت في الدول التي تسمح بهذا النوع من الصراخ، بينما حلفاؤه القائمون على رأس هذه الأنظمة لا يبالون بهذه الإهانات الدينية، ولا لهم حمية ولا نخوة ولا عندهم حتى سياسة أن يقفوا موقفا متصلبا أمامها!

ومن أمن العقوبة أساء الأدب.. وقد أخليت الساحة، فما على كل جبان أن يهين ويطلب النزالا، كما قال الشاعر:

وإذا ما خلا الجبان بأرض .. طلب الطعن وحده والنزالا

فما على رئيس صليبي حقود ولا على مستوطن صهيوني عنيد من بأس لو أنه أساء إلى النبي ﷺ، فإنما يستند إلى ركن شديد من أنظمة حديدية قد سجنت الأمة وحبستها وأخلت ساحة النزال منها!

 نشر في مجلة أنصار النبي ﷺ - نوفمبر 2026م

الاثنين، أكتوبر 05، 2026

إلى الصابرين من المجاهدين والعاملين

 


تكتمل هذه الأيام ثلاث سنوات على ذكرى السابع من أكتوبر.. ثم ما تبعها من حربٍ شنيعة قُتِل فيها أكثر من سبعين ألف فلسطيني! في مشهدٍ عرف به من كان مغفلا، وأبصر فيه من كان أعمى، حقيقة الشر الذي يحكم هذا العالم ويسيطر عليه!

وفي هذه الذكرى، فماذا يمكن أن يقال لأهل غزة؟!

وفي مثل هذه الذكرى وغيرها من الأيام، ماذا يمكن أن يُقال لأهل السودان الذي بلغت المجاعة عندهم أكثر من 25 مليون جائع، من بينهم مليون طفل! فضلا عن 12 مليون نازح في الخارج والداخل؟!

ثم ماذا قد يُقال لأهل اليمن، وقد تواطأت عليهم الأعداء، وأشدهم عداوة من كانوا في ثياب الحلفاء والأصدقاء والجيران.. حتى بلغ المحتاجون للمساعدات أكثر من 22 مليونا، وهم أكثر من نصف الشعب، ومنهم أكثر من مليوني طفل دون الخامسة يعاني من المجاعة، وأكثر من مليون امرأة حبلى أو مرضع تعاني من المجاعة! وصار النازحون في الداخل والخارج قريبا من 6 مليون! فضلا عن انتشار الأمراض فيهم والتي كانت قد انقرضت! ثم هم الآن تُفرض عليهم حربٌ تسفك فيها دماؤهم ولا يُمَكَّنون من حصاد ثمرتها إن هم انتصروا، ولا من تجنب ويلاتها إن هم هُزِموا!

ثم ماذا قد يُقال لأهل تركستان الشرقية الذين يعيشون فصولا متطاولة ولا تبدو لها نهاية من قهرٍ صيني هو نموذج في الشراسة والطغيان والتسلط ومحو الهوية الإسلامية لشعب كبير؟! ومن المؤسف أن المأساة أكبر مما يُتَصَوَّر، وسائر الأرقام المتاحة عنها أقل من الواقع لما تقبع فيه تركستان من ظلام إعلامي يحجب سائر ما يحدث فيها؟!

وقل مثل ذلك في أهل ميانمار ونازحيهم في بنجلاديش، وفي مسلمي الهند وكشمير، وفي غيرها من البقاع والديار.. فحالنا الآن كما عبر شاعرنا محمود غنيم قبل نحو قرن من الزمان:

أنى نظرت إلى الإسلام في بلد .. تجده كالطير مقصوصا جناحاه

كم صَرَّفتنا يدٌ كنا نصرفها .. وبات يملكنا شعب ملكناه

كم بالعراق وكم بالهند ذو شجن .. شكا، فرددت الأهرام شكواه

بني العمومة إن القرح مسَّكَمُ .. ومسنا، نحن في الآلام أشباه

ولا تغفل عن حال المقهورين الساكتين من بني العروبة والإسلام في الديار التي يحكمها منتسبون للمسلمين، فهناك عمليات محمومة في طمس الدين ومطاردة المتدينين وموالاة الصهاينة والصليبيين.. هناك معركة محجوبة: أدواتها القهر والفقر والإذلال والتنكيل، وأنواع من التقتيل، وكل ذلك يجري بغير المظاهر الصاخبة ولا دفق الدماء الحارة.. وحتى التهجير يجري في تلك الديار بغير أن ينتبه له أحد! يسمونها إقامة مشاريع للمصلحة العليا، وما هي إلا تقتيل وتفجير وتهجير!

فإلى هؤلاء جميعا..

إلى أهل غزة، وإلى أهل السودان، وإلى أهل اليمن، وإلى سائر المسلمين المقهورين، إن كانوا تحت سلطة الأعداء الصرحاء، أو تحت سلطة أوليائهم من العملاء والصنعاء..

إليكم أسطر الآن هذه الكلمات..

 

(1)

لقد خلق الله هذه الحياة الدنيا لتكون دار بلاء واختبار وامتحان.. لا لتكون دار عدل وجزاء وثواب واستقرار..

ولهذا كانت ميدان المعركة لا منصة المكافأة!

ففيها تعذب الأنبياء وكُذِّبوا وصُدُّوا وقوتِلوا وقُتِلوا، فمن الأنبياء من يأتي ولم يستجب له سوى واحد، ومنهم من يأتي ولم يستجب له سوى اثنان، ومنهم من يأتي ولم يستجب له أحدٌ ألبتة!

ومنهم من قُتِل، ومنهم من ذُبِح، ومنهم من ألقي في النار، ومنهم من ألقي في البئر، ومنهم من بيع عبدا، ومنهم من ألقي في السجن، واتهم بالسوء والباطل، ومنهم من طُرِد من داره وتغرب عن أهله، ومنهم من ابتلي بالمرض الطويل، وفقد الأهل والولد!

وفي هذه الدنيا كم تكبر الظالمون وتجبروا، وكم كانت لهم ممالك وحشود وجنود، وخدم وحشم ومواكب تهز الأرض هزا..

ويكفي أن ترى الشيطان نفسه قد أُعْطِي الخلود في الدنيا!

وأن ترى أرباب التكبر والتسلطن والتفرعن قد شيدت لهم القصور والهياكل والقلاع والمنارات، بل شيدت لهم القبور الهائلة!!

فتلك هي الدنيا، وذلك طبعها.. ولهذا سُمِّيت الحياة الدنيا، أي: الحياة السُّفْلى، الحياة الوضيعة، الحياة الدنيئة..

ولذلك وعد الله أن يكون عدله وجزاؤه وثوابه وعقابه في دار أخرى، هي الدار الآخرة.. فهناك توفى كل نفس ما كسبت، وهناك ترد سائر الحقوق، حتى حق تلك الشاة العجماء (التي لم يكن لها قرون) فاستضعفتها شاة قرناء (ذات قرون) فنطحتها، يخلق الله لها يوم القيامة قرونا لتسترد نطحتها، قبل أن يُطوى سجل الحساب!

فنحن هنا في الحياة الدنيا.. في دار البلاء والعنت والمشقة.. في الدار التي لن تخلو من الأذى.. في الدار التي تعذب فيها الأنبياء والصالحون قبل أن يُمَكَّن لهم بالنصر أو يصطفيهم الله بالشهادة!

 

(2)

وأن تكون معذبا في سبيل الحق في هذه الدنيا، لهو خيرٌ من كل حال أخرى.. فلقد وصف الله ثواب ذلك بقوله {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}

وفي يوم القيامة سيرجو كل معافى أن لو كان مبتلى! لما يرى من عِظَم أجر الصابرين، وأنه يُحثى عليهم الثواب حثوا بغير حساب..

فهذه الدنيا، على رغم كل ما فيها، متاعٌ قليل.. ظلٌ زائل، وعارية مسترجعة.. وسائر هؤلاء الذين مُكِّنوا وتسلطنوا وتفرعنوا وتجبروا وشيدت لهم الهياكل والقصور ما لبثوا أن ماتوا عنها فتركوها، أو انقلب عليهم غيرهم فورثها منهم، ثم أورثهم منها الحسرة والندامة!

متاع قليل..

ثم ذهب كل واحدٍ منهم إلى داره الآخرة، وهناك يلقى جزاءه، وعندها يقرأ كتابه.. {ويقولون يا ويلتنا: مالِ هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدًا}

متاعٌ قليل ما يلبث أن يزول..

{وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب، وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون}

{فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها، وما عند الله خيرٌ وأبقى، أفلا تعقلون . أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه، كمن متعناه متاع الحياة الدنيا، ثم هو يوم القيامة من المحضرين؟!}

{فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا، وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون}

{ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم، زهرة الحياة لنفتنهم فيه، ورزق ربك خير وأبقى}

{بل تؤثرون الحياة الدنيا . والآخرة خير وأبقى}

وتأمل معي في أن النبي ﷺ عندما كان في ذروة التمكين والنصر، حين صار سيد الجزيرة العربية، وقائد قوة دولية ناشئة، وصاحب أول جيش في التاريخ يخرج من الجزيرة العربية في ثلاثين ألفا ليقارع الروم، ويجتمع إليه في مكة مائة ألف يحجون بحجه ويأخذون عنه مناسككم..

تأمل في هذه اللحظة الكبرى التي توَّجت جهادًا طويلا.. حينها عُرض على النبي أن يبقى في الدنيا، وبين أن يموت، فاختار ما عند الله، وقال: بل الرفيق الأعلى! بل الرفيق الأعلى!

فكل نعيم في الدنيا ولو كان ذروة التمكين هو ضئيل إذا قورن بما عند الله..

وكل بقاء في هذه الدنيا معناه البقاء في دار الاختبار والبلاء والعنت والمشقة..

وقد صدق الذي قال: الحياة في سبيل الله، أصعب من الموت في سبيل الله.. وها أنت ترى كم يستسهل شباب المسلمين الإقدام على الموت في سبيل الله، بينما كثيرٌ منهم إذا فتحت عليه أبواب الفتن لا يصمد لها طويلا!

فالدنيا متاع قليل.. والآخرة هي دار الجزاء.. والصابرون في هذه الدنيا هم خير الفائزين.. والراحلون إلى الله –ما داموا قد وفوا بما عليهم- هم الذين أنهوا الاختبار ونالوا الآن المكافأة!

 

(3)

وما دمنا قد وصلنا إلى الرحلين.. فها هنا ثلاثة أمور تجعلنا نتملى فيها..

الأول: أن الله قد أكرم الشهداء فجعلهم عنده أحياء! وصار هؤلاء الأحياء من عظم ما وجدوه من المكافأة يتمنون أن يخرقوا قانون الكون فيعودوا من بعد الحياة ليُقتلوا من جديد!

{ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات، بل أحياء ولكن لا تشعرون}

{ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا، بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون . فرحين بما آتاهم الله من فضله}

الثاني: أن هؤلاء الراحلين يستبشرون بالذين لم يرحلوا بعد، أي أنهم يطلبون لهم الشهادة والرحيل إلى الآخرة لما يجدونه من الفضل والكرامة {ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون . يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين}

الثالث: أن هؤلاء الراحلين يشفعون عند الله فيمن لم ينل الشهادة من أحبابهم، فقد جعل الله كل شهيدٍ بابا لسبعين آخرين، يشفع لهم يوم القيامة.. فلو قد نظرنا بعين الحق والحقيقة، لكان الشهيد أنفع بشهادته من سائر ما يستطيعه إذ كان حيا بين أهله وناسه!

فالراحلون إلى الله هم في خير، وهم ينتظرون من بعدهم مشتاقين لينالوا نفس هذا الخير، ثم هم يشفعون لمن بقي من أهليهم يوم القيامة!

ولا يبقى على مَن بَقِيَ في هذه الدنيا إلا أن يكون من هؤلاء الذين وصفهم الله بقوله {الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح، للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم . الذين قال لهم الناسُ إن الناسَ قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانا، وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل}

 

(4)

ثم اعلموا يا أحبابنا أن جهادكم في سبيل الله لا يذهب هدرا..

فما خرج الإسلام من مكة إلى المدينة ثم إلى أنحاء الدنيا إلا بجهاد من جاهدوا وصبر من صبروا ومثابرة من ثابروا..

وما بقي الإسلام بعد نكباته وما تجدد وانبعث مرة أخرى إلا بجهاد من جاهدوا وصبر من صبروا ومثابرة من ثابروا..

لقد شهدت أيام الزمان ملاحم عظيمة، أكثرها لم تلتقطه عين التاريخ، من أمٍ أخرجت ولدها بطلا كبيرا أبلى في الإسلام بلاء حسنا، أو شيخ صبر على تلاميذه وطلابه في كهف أو زاوية أو في كسر بيته حتى حفظ بهم جرثومة الدين ثم بعثهم في الدنيا خلقا جديدا، أو سبية صبرت على ذل الأسر والسبي حتى أدخلت من سباها وأبناءه في الإسلام فصاروا بعد الكفر مجددين لدولة الإسلام، أو من أسيرٍ طوته سجون الظالمين ولم يكن يملك فيها إلا صبره وصموده حتى خرج أو خرجت سيرته من بعده تدل عليه وتشير إليه وتحكي للآخرين مكارم الأولين!

قصصٌ كثيرة غزيرة، ما جهلناه منها أكثر مما عرفناه، ولكننا نرى الآن آثارها في أنفسنا وفي البلاد.. فلولا أولئك الصابرين الثابتين في السجون والكهوف والزوايا والمحاريب ما بقي الدين ولا بقي المسلمون!

فسائر ما ينبعث ويتجدد من هذا الدين، هو في ميزان أولئك الصابرين المستضعفين..

فأعظم به من أجرٍ يمتد ويتراكم ويتضاعف على مر السنين.. وما أجلَّ أن يصطفى الله عبده ليكون نورا من نوره، كما قال تعالى {يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون . هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون}

 نشر في مجلة أنصار النبي - أكتوبر 2026م

الخميس، سبتمبر 03، 2026

هل الاحتفال بالمولد النبوي بدعة؟

 


محمد إلهامي - مجلة أنصار النبي ﷺ - سبتمبر 2026م

لن أخوض الآن في جواب هذا السؤال، ولن أدخل في الجدل بين المانعين والمجيزين، بل سأذكر نبذة تاريخية ربما تنفع المتكلمين فيه..

من المعروف أن النبي وصحابته والتابعين في القرون الأولى المفضلة لم يحتفلوا بمولد النبي ﷺ، ولا يؤثر عنهم فيه لا عبادة ولا عادة مخصوصة، وإنما بدأت عادة الاحتفال بالمولد النبوي في الأزمان التي فترت فيها الأمة وتوقف فيها الجهاد واتسعت الهوة بين الخلفاء وبين الرعية.

وكما قال ابن تيمية فإن النفوس خُلقت لتعمل لا لتترك، وما من شئ من المنكر نهى الله عنه إلا ووجَّه إلى معروفٍ يُغني عنه، ولذلك فإنه ينبغي على المصلحين الاعتناء بالأمر بالمعروف وألا يقصروا همّهم في النهي عن المنكر.

وهذه الكلمة النفيسة الذهبية "النفوس خُلقت لتعمل لا لتترك" تنطوي فيها قواعد عظيمة في علوم النفس والاجتماع، وما يهمنا منها الآن: أن الأمة التي تفتر عن الجهاد، سرعان ما تتسرب طاقاتها إلى غيره، وذلك مذكور في كتاب الله، وهو قوله تعالى {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم}، ومذكور في قوله ﷺ: "وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله إلا جعل بأسهم بينهم".

فإذا انصرفت نفوس الناس وطاقتهم عن الجهاد وإقامة الدين والتمكين له، ذهبت إلى شؤون الدنيا، فتنافسوها وربما تقاتلوا عليها.

وباب الجهاد يُغلق بسبب انحراف الحُكّام، كما يُغلق لأن الجهاد صار عملا مخصوصا ومحصورا بفئة بعينها، وهي طائفة العسكر. وإذا كان الحُكَّام هم طائفة العسكر وكانوا منحرفين، فقد اجتمع الشران ليصير شرًّا مستطيرا!

وها هنا يقع من التفاعلات في الناس ما يُنبت ظاهرة الاحتفالات بالموالد والأعياد، فإن النفوس تحب الاحتفال ومعانيه من اللهو واللعب، وإن الحُكَّام يحبون أن يلهو الناس وينشغلون عنهم بأعيادهم، ولهذا فربما شاركوا في هذه الأعياد واخترعوها وبالغوا في الاحتفال بها.

ولو فهمتَ هذا فلن تتعجب حين تعلم أن كثيرا من احتفالات الموالد والأعياد المستحدثة إنما نشأت في الدول التي كانت تفتر عن الجهاد، وينحرف فيها الحكام، مثل الدولة العبيدية (الفاطمية). ومثلما هو واقع في دُوَلنا المعاصرة التي اخترع كل منها لنفسه أعيادًا للاستقلال والتحرير والنصر والعَلَم والثورة.. وما هي من هذا كله في شيء! على أن دُوَل الأولين كانت إسلامية فكانت أعيادها ترتبط بالنبي وأهل بيته، أما دولنا المعاصرين فدول مُتَعَلْمِنة تحتفل بما يخص الأرض والحدود والتراب!

ومن طبائع هذه الأحوال، وتفاعلاتها الفطرية، أن ينهض أهل الخير والعلم والفضل، لتصحيح هذه الأوضاع، غير أنهم يسلكون في تصحيحها سبلا؛ فمنهم من يرى أن مناسبة كالمولد النبوي فرصة ثمينة لتذكير الناس بالنبي وسيرته وأخلاقه، يريد بذلك أن يصرفهم عما في احتفالهم من البدع والمنكرات، إلى ما يمكن أن يوجد فيه من النفع والعلم والوعظ ومسالك البر. وتكون فرصةً لإعادة تصحيح ما أحدثوه من البُعد عن النبي ونهجه وسنته! فيجعلونها مناسبة لقراءة الكتب والأحاديث في سيرته وشمائله وخصائصه، وإنشاد الشعر في مدحه وبيان فضله.

فلهذا استقر شأن الاحتفال بالمولد النبوي عبر القرون الإسلامية، شارك فيه الأئمة والعلماء الكبار، وجرت عليه العادة حتى اندرج الأمر في "عمل المسلمين" أو "ما جرى عليه العمل" أو "العُرف" أو نحو ذلك من الألفاظ التي يعبر بها الفقهاء والأصوليون عن تقبل المسلمين لهذا العمل.

وحين تثار مسألة: هل هذا من البدعة؟ يرى الكثيرون، وربما الأكثرون، أنه من البدعة الحسنة طالما أنه يخلو من المنكرات!

ولما جاء الاستعمار إلى بلادنا أضيف على هذه المسألة بابٌ آخر..

فإن الاستعمار الحديث، الذي يمكن أن نؤرخ له بالحملة الفرنسية على مصر (1897م)، حمل سياسة جديدة في التعامل مع الشعوب، ومن بين هذه السياسة المخادعة والمراوغة وادعاء تحرير الشعوب وتحضيرها، ومن لوازم هذا: إعلان التصالح مع أديان الشعوب وثقافاتها، ولهذا فلا تعجب إن رأيتَ هذا الموقف:

كان مشايخ الأزهر قد عطلوا الاحتفال بالمولد النبوي، ومعنى هذا التعطيل في ذلك الوقت أنه نوع من المقاومة السلبية والسلمية، فهو مثلما نفهم اليوم من معنى "الإضراب، العصيان المدني، إلغاء الاحتفالات، إعلان الحداد، تنكيس الأعلام... إلخ! ولكن نابليون لما علم بهذا طفق يستدعي مشايخ الأزهر ليستفسر منهم عن سبب تعطيلهم، فتعللوا بالحال وقلة المال، فأبى هذا وأنفق من أموال الفرنسيين لإقامة المولد وتعليق الزينات، وحضره بنفسه بل وأوقف جنوده يضربون الطبول ويؤدون التحية العسكرية للنبي ﷺ!! والتفاصيل تطول!

فها هنا ترى كيف كانت المقاومة للمحتل في الامتناع عن الاحتفال بالمولد، وكان الاحتفال به من أدوات الاحتلال السياسية لإثبات استقرار الأمور وانتفاء العداوة بين المحتل وبين الدين!

بعد زمن آخر سترى رجلا مثل عباس باشا الأول، وهو الوحيد من أسرة محمد علي الذي كان فيه ميل للدين وحب للعرب والمسلمين، وكانت له وقفات في نصرة أهله، فقد هرَّب بعض الوهابيين من سجن جده، وكان يجلس إلى شيخ الأزهر ليستمع إليه في الجامع، وكان يبغض الأجانب ويحرص على أن يواظب أولاده على الصلاة، وأمور أخرى لا يتسع لها المقام.. هذا الباشا هو نفسه الذي قرر أن يزيد في أيام الاحتفال بمولد السيد البدوي! وما ذلك إلا لأنه يرى هذا من نصرة الدين ومقاومة الأجانب الكافرين!!

وفي أزمنة الاحتلال سترى أن جمهرة المصلحين والمجاهدين كانوا حريصين على مناسبات مثل الاحتفال بالمولد النبوي، وغيرها من المناسبات، وما ذلك إلا لأنها فرصتهم لجمع الناس ووعظهم والكلام معهم، ومقاومة ما تغرسه فيهم دولة الاحتلال من التغريب والعلمنة.. سترى ذلك في مصر والشام وبلاد المغرب وتركيا.. لقد كان يُراد أن تتعلق هذه الأمة بشخصيات أخرى، لقد اخترعت أعياد أخرى تتعلق بمولد أو وفاة أو تنصيب أمثال محمد علي باشا وأتاتورك والملك فلان والسلطان فلان.. فكان أهل الدين في هذه الأنحاء يرون في مناسبة الاحتفال بالمولد فرصة لا تفوَّت في تذكير الأمة بهويتها ودينها ورسولها الذي هو زعيمها الأعظم ومؤسس مجدها الديني والدنيوي!

وكل واحد من هؤلاء المصلحين والمجاهدين قام بحسب ما استطاع من مقاومة البدع والمنكرات في الموالد، فبعضهم كان يزاحم المنكرات بغيرها من المعروف، وبعضهم كان يعتزل المنكرات ويقيم احتفالاته على نمط آخر، وبعضهم يخلط هذا بذاك، ولكلٍ منهم في هذه الأمور نظرة وطريقة تتعلق بما هو مقبول وما هو مرفوض، ولكل منهم طريقة في علاج المرفوض: هل يكون بالإنكار والمجاهرة أم بالتدرج في نزعه أم بمزاحمته أو باعتزاله وإقامة غيره!

وكذلك كانت الموالد فرصة لاستثمار اجتماع الناس، وكم وُضِعت فيها بذور جمع الأموال لمقاومة المحتل والطاغية، أو لاجتماع القوم المطلوبين المطاردين، واختلطت مشارب المصلحين والمجاهدين بما تيسر لهم من وسائل وظروف، ومن هذه الوسائل والظروف الطرق الصوفية السائدة والمنتشرة في البلدان.

خلاصة الكلام والمقصد أن الاحتفال بالمولد النبوي صار عملا لا يمكن وصفه بقول واحد ضربة لازب، بل مثلما كانت بعض مظاهره تمكينا للاحتلال والطغيان وإلهاء للناس وإبعادًا لهم عن السياسة والجهاد، كانت مظاهره الأخرى من وسائل الإصلاح وفرصة لمقاومة التغريب والتعلق بالأصول والجذور، وتذكيرا بالمجد التليد!

وإذا أردنا أن نقيم خطًّا بين المصالح والمفاسد في مثل هذه الأمور.. فسيكون على هذا النحو:

إن النبي ﷺ هو قدوة المسلمين، هكذا يراه المسلمون جميعا، غير أن معنى القدوة هذا يجري تحريفه على يد المحتلين والطغاة المجرمين، وهذا هو الأمر الذي يجب تصحيحه، وإذا حصل التصحيح فقد استقامت به الأمور.

لقد كان النبي ﷺ قدوة للمسلمين، ولكنه لم يكن فحسب قدوة لهم في أخلاقه الشريفة السامية: الصدق والأمانة والعفو واللين والرفق ونحوها، بل هو قدوة لهم في إقامة الدين وتأسيس الدولة والتمكين للدين في هذا الأرض وتحويله من كلام نظري مسطور في الكتب إلى واقع عملي شاخص في حياة الناس!

وذلك هو الفارق الذي يُفرق بين غرض المصلحين وغرض المفسدين، وإن التقى عملهم على الاحتفال بالمولد النبوي..

المحتل والطاغية يريد مولدا يتمايل فيه الناس ويطربون، يأكلون ويشربون ويرقصون، فإذا تحدثوا عن النبي فلا بأس أن يقتصر عملهم على وصف جماله وعيونه وشعره وثيابه، فإذا زادوا فليتحدثوا في معجزاته وخوارقه، فإذا زادوا في الاقتداء فليتحدثوا في صدقه وأمانته ونبله ورحمته ورفقه!!.. فهذا كله مما لا يبتئس المحتل والطاغية أن يسمعه الناس!

أما المجاهد والمصلح فهو يريد مولدا يتذكر فيه الناس كيف أن النبي هو القائد المجاهد، الزعيم المؤسس، الذي أقام الدين في الدنيا، وهو صاحب الشريعة الحاكمة، الرئيس الذي حمل السيف وجاهد في سبيل الله حتى تحول المسلمون معه من دعوة إلى دولة، ومن دولة إلى قوة إقليمية، ثم ترك صحابته من بعده ليحولونها من قوة إقليمية إلى قوة دولية، ثم إلى القوة العظمى العالمية!

محمد ﷺ، في الموالد التي يرضى عنها المحتلون والطغاة، شخصية الدرويش.. أي: الزاهد الرقيق الرفيق، ذي الثياب البيضاء والنور المشع من الجبين، المتبسم الهادئ الوادع اللين، صاحب المعجزات والخوارق والفضائل، الذي تسرح حوله الطيور ويسلم عليه الحجر ويئن له الجذع وينشق له القمر!!

هذا وإن كان حقا، إلا أن نصف الصورة وحدها، النصف الذي لا يمثل خطرا عليهم..

أما محمد ﷺ في الموالد التي يريدها المصلحون والمجاهدون فهو –مع ذلك، وفوق ذلك- المجاهد الذي يقيم الدين ويشيد الدولة وينفذ الشريعة، ولا يرضى بالظلم، ولا يسكت على الضيم، ولا يقبل سيادة إلا لله، ولا ولاء إلا للمؤمنين..

وهذا الصراع نفسه بين هذين السبيليْن هو مما نفهم به واقعنا وحالنا الآن..

الطاغية الذي يحارب دين النبي ويطارد أهله بالقتل والسجن والتعذيب الشديد، يحتفل بالمولد النبوي.. لكن على طريقته! يريد من المسلمين أن يفهموا من الدين ما يكون توطيدا لحكمه، أو بعبارة أكثر صراحة: يريد أن يستخدم ذكرى النبي وسيلة لمصلحته!

وهذا يفسر لك: لماذا تنحو الموالد المقامة الآن إلى أن تكثر فيها البدع والضلالات، ولماذا تقتصر على حديث الخوارق والمعجزات وأوصاف النبي الخَلْقِية دون غيرها من صفاته الخُلُقية وسنته العملية؟!

إن الأمة الحبيسة المقهورة المكبلة بأيدي هؤلاء الطغاة عاجزة أن تعبر عن حبها لنبيها في ذكراه إلا بقدر ما يسمح به الطاغية الذي يكبلها، ومن هذه الأمة مِن علماء السوء مَن غَرَّه أولئك الطغاة السفاحون فانحاز إليهم فهو وسيلتهم في تزوير حقيقة النبي، وحرف الناس عن فهم حقيقته!

كنت قبل أيام في معرض اسطنبول للكتاب العربي، وأجلس يوميا على الانترنت.. إن مؤلفات السيرة تزداد غزارة، وفوق المؤلفات ما يجتهد فيه المسلمون من المواقع والتطبيقات ونحوها، ولكن: أين الفاعلية؟!

تلك أمة محبوسة، والحبس يدفع طاقتها إلى ما هو متاح لها، التأليف وإنشاء المواقع والتطبيقات والبرامج العلمية، وإذا كان ثمة انحراف فإن الطاقة تنصرف إلى ما ليس مفيدا ولا نافعا، بل إلى ما هو مضر مثلما نراه من مشاهد الرقص والطرب والتمايل والاكتفاء بالأشعار في مدح النبي ﷺ!

فالحق أن هذا هو التفسير الأهم لما يحدث في المولد من البدعيات!!

إنه ما من رجل تعظمه أمته وترتبط به كما تعظم أمة محمدٍ محمدًا، فما من قائد ولا زعيم ولا مؤسس دولة، بل ولا حتى نبيٍّ آخر، قد عاش في وجدان أمته تلك القرون المتطاولة، وكانت أمته على هذه الحفاوة به وبذكراه مثلما هي أمة محمد مع نبيها المعظم المكرم ﷺ. ولكن المحتلين والطغاة لما عجزوا عن نزع محمد من صدور أمته، اجتهدوا جهدهم في تزييف حقيقته، فرفعوا من ارتضوا أن يكون حظهم من النبي ﷺ الرقص والأكل والطرب، وطاردوا من أرادوا الاقتداء بالنبي ﷺ حقا وحقيقة!

فليس الحق أن نتجادل ونتعارك حول ما إن كان الاحتفال بالمولد بدعة أم لا؟ وهل هو من البدعة الحسنة أم لا؟.. الحق أن نتجادل: كيف نكافح تزييف صورة النبي في عقول المسلمين؟ وكيف تكون ذكراه مواطن قوة ونهضة وذكرى نافعة لأمة مستضعفة؟ وكيف نصرف طاقة الأمة في أفعال حقيقية بدل كونهم محبوسين في كثرة "الكلام" عن النبي ﷺ؟!

 

الأربعاء، أغسطس 05، 2026

ها أنذا أسكت، فاسمعوا من كلامهم!

 


لم يجتمع على الأمة في تاريخها تحالفٌ من الأعداء ومن المنافقين كما هو حاصل في هذا الزمان، فلا تدري أيهما يكون الوصف الأكثر دقة، أن تقول: لبس العدو جلدنا واتخذ لساننا، أم أن تقول: دخل في بعضنا روح العدو وعقله، فهما واحدٌ في النفس والعقل والروح والشعور، وإن اختلف منهم اللون واللسان!

نحن تحت حكم أنظمة تبدو أنها منا، ولكنها العدو كله، لقد كانت هذه الأنظمة حاضرة دائما كممثل للغرب وحارس لمصالحه، منذ محمد علي باشا في مصر، وهي التجربة التي جرى تعميمها بعد الحرب العالمية الأولى في العالم العربي حتى صار عسيرا أن يُشار إلى نظام محلي باعتباره إفرازًا طبيعيًّا لمجتمعه أو تعبيرا حقيقيا عن أمته الإسلامية، وقد أسفرت النتائج خلال هذا القرن الماضي عن أن هذه الأنظمة قامت بدور أكثر كفاءة من الاحتلال المباشر في تحطيم المجتمع الإسلامي وتحديثه، وبكلفة أقل كثيرا من كلفة الاحتلال نفسه.

لقد كثر الكلام مني في هذا حتى ملَّني الناس، فعزمت أن أسكت فلا أتكلم، وأكتفي في هذا المقال بالتقاط بعض المقولات التي قالها هذا التحالف نفسه، وثقتها من كتبهم وتقاريرهم برقم الطبعة والصفحة، كي لا يكون عليَّ حرج، وليهلك من هلك عن بينة!.. وما أنقله هنا ليس إلا شذرات مختارة، وأما التفرغ لجمع هذا فيملأ مجلدات عديدة!

خذ هذه في باب دعم الغربيين لأنظمة الحكم المحلية العلمانية الطغيانية وتقويتها، وكيف أنه صار سياسة ثابتة:

·      قال هنري كيسنجر، مستشار الأمن القومي الأمريكي وأحد أبرز الشخصيات السياسية الأمريكية، في مذكراته، عن وقوف الأمريكان وتهديدهم بالتدخل العسكري لإبقاء نظام الملك حسين في الأردن أثناء أحداث أيلول الأسود: "دورنا الأكثر جدوى يقوم على سرعة إرسال قواتنا إلى البحر المتوسط وبشكل قوي والقيام بمساندة قوية للملك. أرسلت توجيهات للوزارات، طالبتها إعداد مخططات عسكرية ودبلوماسية مفصلة للتمكن من مواجهة الأمور المتوقع حدوثها وهي تزويد القوات الأردنية بالعتاد، الهجوم الجوي أو البري الأمريكي لمساندة حسين، أو الموافقة الأمريكية على هجوم إسرائيلي جوي أو أرضي لمساندته"[1].

·      ويقول نتنياهو في مذكراته: "تقابلنا للمرة الأولى، لقد أكدت له (الملك حسين) أن بقاء المملكة الأردنية الهاشمية بمثابة مصلحة حيوية لإسرائيل، ولو اقتضى الأمر، فسننزل بجيوشنا للحيلولة دون سقوطها"[2].

·      ولا نعدم أن نجد مثل هذا الاعتراف في مذكرات القادة العرب أنفسهم، فهذا الملك حسين بن طلال ملك الأردن، يورد في مذكراته "مهنتي كملك" أنه في العديد من المواقف طلب المعونة الأمريكية والإنجليزية لتثبيت نظامه، ولم يبخلوا عليه بها، يقول: "لم ينسنا الإنجليز والأمريكان، فقد دعمونا ليس بالكلام وبالتصويت في الأمم المتحدة فحسب، بل بعثوا إلينا بالأسلحة والمعدات، فوصلت بكميات جسيمة إلى مينائنا في العقبة"[3].

ولأن القوم أهل زخرفة للقول وتلبيس وتدليس، فهم يُلبسون هذه المعاني الخيانية ألفاظا من نوعية دعم الأمن والاستقرار، مكافحة التطرف والإرهاب، تأمين المصالح الحيوية، ولا يقصدون بهذا كله إلا أمنهم هم ومصالحهم هم ومكافحة من يهدد نفوذهم، حتى لقد استقر في بيئة العلوم السياسية مصطلح "الدولة الفاشلة"، وهو في حقيقته يعني: الدولة الفاشلة في السيطرة على شعبها، وهي من ثم فاشلة في حماية المصالح الأجنبية! وخذ بعض أمثلة:

·      قالت كونداليزا رايس التي شغلت منصبي مستشارة الأمن القومي ووزيرة الخارجية الأمريكية "الدول الضعيفة والفاشلة تشكل تهديدا أمنيا خطيرا على الولايات المتحدة. فهي لا تستطيع السيطرة على حدودها، وقد تصبح الملاذ الآمن للإرهابيين، لذلك فإن إعادة بنائها يشكل مهمة ضخمة وهامة في آن"[4].

·      يذكر هنري كيسنجر أيضا في كتابه "النظام العالمي" أنه "عندما لا تكون الدول محكومة بكليتها، يبدأ النظام الدولي أو الإقليمي نفسه بالتفكك. فضاءات خالية موحية باللاقانون تطغى على أجزاء من الخريطة. من شأن انهيار أي دولة أن تقلب أرضها إلى قاعدة للإرهاب"[5].

·      وفي نهاية مذكراته، يتحدث الدبلوماسي الأمريكي الشهير، زلماي خليل زاده، عما يجب أن تكون عليه سياسة الأمريكان فيقول: "تشكل مشاكل الصراعات الإقليمية والنزاعات الطائفية وانهيار نظام الدولة في الشرق الأوسط أكبر التحديات الراهنة وأكثرها صعوبة، وأعتقد أن الحلول الجوهرية تتمثل في الترويج لميزان القوة الإقليمي وتقوية الدول المعتدلة والتقدمية... يتعين أن تكون الخطوة الأولى في هذا المضمار هي تقوية أصدقائنا وشركائنا في الشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى... تجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى الاستمرار في جهودها الهادفة إلى محاربة الإرهاب. ولكن يتعين عليها التركيز أكثر على تعبئة القوى المحلية التي تقاوم الإرهاب والتطرف"[6].

كذلك يتضخم الحديث عن دور الأنظمة المحلية في تقارير الحالة الأمنية وتقارير مكافحة التمرد، والتمرد هنا هو التمرد الإسلامي طالما كانت البيئة المقصودة هي المجتمعات المسلمة، ومن أمثلة ذلك:

·      جاء في دليل الحكومة الأمريكية لمكافحة التمرد: "خبرات مكافحة التمرد الأمريكية تستند على عدد من الافتراضات: منها أن الجهود الحاسمة لهزيمة التمرد نادرا ما تكون عسكرية  (على الرغم من أن الأمن هو الشرط الأساسي للنجاح). لذا فإن الجهود الأمريكية يجب أن توجه إلى إنشاء هياكل حكومية محلية ووطنية تخدم السكان، لتحل تلك الهياكل بمرور الوقت محل الجهود التي يبذلها الشركاء الأجانب"، "إذا قررت حكومة الولايات المتحدة أن تشارك في مكافحة تمرد معين، فيجب على صانعي السياسات أن يسعوا إلى تحقيق توازن دقيق يستخدم أكثر أشكال التدخل ملاءمة بحيث يبدو أكثر هدوءا وأقل فجاجة وتطفلا، فضلا عن امتلاكه لاحتمالية كبيرة لتحقيق التأثير المطلوب. لابد من الحفاظ على سيادة الحكومة المتضررة، فزيادة التدخل إلى درجة عالية جدا قد تؤدي إلى نتائج عكسية (تاريخيا كانت بعض التدخلات الأمريكية الأكثر نجاحا هي التدخلات غير المباشرة والبسيطة). وبمجرد أن تلتزم الولايات المتحدة بالمساعدة، لابد من وضع استراتيجية لمكافحة التمرد من خلال أفضل أشكال التعاون مع الحكومة المتضررة وشركاء التحالف الآخرين، نظرا لأن إدماجهم المبكر يمكن أن يساعد في التخفيف من آثار الاختلافات على المستوى العملياتي في الأهداف والقدرات والثقافة"[7].

·      وجاء في دليل الميدان للجيش الأمريكي لمكافحة التمرد: "في عمليات مكافحة التمرد تعمل القوات الأمريكية عادة مع قوات الأمن التابعة للسكان المحليين أو التابعة للدولة المضيفة... تجلب العديد من القوات العسكرية التابعة لدول أخرى الخلفيات الثقافية والخبرات التاريخية وغيرها من الإمكانيات التي يمكن أن تكون ذات أهمية خاصة لجهود مكافحة التمرد"، "نادرا ما تكون لدى وكالات الحكومة الأمريكية والمنظمات الدولية الموارد والإمكانيات اللازمة لأداء جميع مهام مكافحة التمرد، فالنجاح يحتاج إلى قادة متأقلمين على استعداد لأداء المهام المطلوبة بالموارد المتاحة عندهم، ويفهم هؤلاء القادة أن الأمن طويل المدى لا يمكن فرضه بالقوة العسكرية وحدها، فهو يتطلب التطبيق المتكامل والمتوازن للجهد من قبل جميع الشركاء بهدف دعم السكان المحليين وتحقيق الشرعية لحكومة الدولة المضيفة"، "المفتاح لإنجاز كل هذه المهام يتمثل في تطوير قوة أمن فعالة بالدولة المضيفة، وفي بعض الحالات قد تشترك القوات الأمريكية بفاعلية في قتال المتمردين، بينما تساعد في الوقت نفسه الدولة المضيفة على بناء قواتها الأمنية"[8].

·      وجاء في دليل المخابرات المركزية الأمريكية لتحليل التمرد: "يمكن لمكافحة التمرد أن تستفيد من استخدام القوات المحلية الخاضعة لإشرافها، مثل الميليشيات، من أجل تعزيز القوات الحكومية، وبالأخص للجمع بين الاستخبارات وتوفير الدفاع الثابت. يجب أن تسلم القيادة الأجنبية لمكافحة التمرد مسؤولياتها في نهاية المطاف إلى القوات الوطنية"[9].

وتشير العديد من المصادر الأمنية الغربية إلى أن الأنظمة العربية قد بلغت أحيانا أن تكون هي الأستاذ الذي يتعلم منه الغربيون أساليب مكافحة "الإرهاب"، ومن ذلك ما كشف عنه هنري كرامبتون، من أبرز مسؤولي مكافحة الإرهاب الأمريكان، في كتابه "فن التجسس"، حيث يذكر أنه بعد أن جمع فريقا من الاختصاصيين ضم علماء نفس ومحللين ومجندين اكتشف أنه لا زال ينقصهم شيء، يقول: "احتجنا إلى خبرة أوسع وتجربة أكبر، وطلبت من جهاز عربي حليف أن يرسل لنا مدربا. امتعض بعضُ من في الجهاز الخفي بما يعكس غرورا في غير مكانه بالنسبة إلى قدراتنا الذاتية. وحاججتُ بأننا دربنا أجهزة ارتباط في كل أنحاء العالم، فلماذا لا نستفيد من بعض من دربناهم؟ تكرَّم حليفنا العربي علينا بالموافقة وأوفد واحدا من أكثر ضباط مكافحة الإرهاب خبرة لديه لتعليمنا ومساعدتنا في تطوير منهاجنا"[10].

وهذا فضلا عما صار معروفا ومؤكدا من أن الأنظمة العربية قامت بدور تعذيب المتهمين لحساب الأجهزة الأمنية الغربية، لا سيما أجهزة الأمن في مصر والأردن وسوريا والمغرب.

هل نحتاج الآن لنسأل أو نستغرب كيف أمسى هذا حالنا في بلادنا؟!

نشر في مجلة أنصار النبي - أغسطس 2026م



[1] هنري كيسنجر، مذكرات هنري كيسنجر، ترجمة: عاطف أحمد عمران، ط1 (عمان: الأهلية للنشر والتوزيع، 2005م)، 1/549، 550 باختصار.

[2] Benjamin Netanyah, BIBI: My Story, 3rd edition (New York: oct. 2022), p. 296.

[3] الملك حسين، مهنتي كملك، ترجمة: غالب طوقان، (د. م: الشركة العربية للطباعة والنشر، 1978م)، ص207.

[4] كونداليزا رايس، أسمى مراتب الشرف: ذكريات من سني حياتي في واشنطن، ترجمة: وليد شحادة، (بيروت: دار الكتاب العربي، مايو 2012م) ص139.

[5] هنري كيسنجر، النظام العالمي: تأملات حول طلائع الأمم ومسار التاريخ، ترجمة: د. فاضل جتكر، ط1 (بيروت: دار الكتاب العربي، 2015م)، ص146.

[6] زلماي خليل زاده، السفير: من كابول إلى البيت الأبيض – رحلتي عبر عالم مضطرب، ترجمة: بسام شيحة وسعيد الحسنية، (بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، نوفمبر 2017م)، ص448.

[7] دليل الحكومة الأمريكية لمكافحة التمرد، ترجمة: خالد أحمد وأحمد مولانا، (اسطنبول: المعهد المصري للدراسات، 28 مارس 2018م)، ص5، 9.

[8] ديفيد بتريوس وجيمس ف آموس، دليل الميدان للجيش الأمريكي لمكافحة التمرد، ترجمة: أحمد مولانا، (مركز تنمية الفكر الاستراتيجي، 2019م)، ص91، 98، 254.

[9] دليل المخابرات المركزية الأمريكية لتحليل التمرد، ترجمة: أحمد مولانا، (مركز حازم لترجمة الدراسات الاستراتيجية، إبريل 2008م)، ص36.

[10] هنري كرامبتون، فن التجسس: الجهاز الخفي لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، ترجمة: أنطوان باسيل، ط1 (بيروت: شركة المطبوعات، 2014م)، ص163.